من يحكم إيران فعلياً؟
ترجمة _ نبض الشام
أثارت التطورات الأخيرة في الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تساؤلات متزايدة حول من يملك القرار الفعلي في طهران. ففي الوقت الذي تحدث فيه مسؤولون سياسيون عن تهدئة محتملة، استمرت العمليات العسكرية الإيرانية، ما كشف عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والتحركات الميدانية.
تهدئة لم تدم
بدا يوم السبت وكأن الصراع يتجه نحو التهدئة، ولو لفترة قصيرة. فقد أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن مجلس القيادة المؤقت طلب من القوات المسلحة تجنب مهاجمة دول الخليج، طالما لم تُستخدم أجواؤها أو القواعد الأميركية فيها لتنفيذ ضربات ضد إيران.
كما قدم بزشكيان اعتذاراً عن الهجمات التي شنتها طهران على دول الخليج منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير. وخلال هذه الفترة أطلقت إيران أكثر من 500 صاروخ باليستي وما يزيد على 2000 طائرة مسيّرة استهدفت مواقع عسكرية ومدنية ومطارات ومنشآت طاقة في المنطقة.
غير أن هذا الخطاب الذي بدا ميالاً للتهدئة لم يستمر طويلاً، إذ استؤنفت الضربات الإيرانية بعد وقت قصير، ما أعاد طرح سؤال جوهري حول مدى قدرة القيادة السياسية على ضبط القرار العسكري.
عقيدة “الدفاع الفسيفسائي”
يُفسَّر هذا التباين جزئياً بالعقيدة العسكرية الإيرانية المعروفة باسم “الدفاع الفسيفسائي”، وهي استراتيجية تعتمد على توزيع القرار العسكري بين عدة جهات داخل النظام.
وبحسب هذا النهج، تعمل وحدات عسكرية متعددة بدرجة كبيرة من الاستقلالية، بما في ذلك الحرس الثوري، ما يمنح النظام قدرة على الصمود في مواجهة الضغوط، لكنه في الوقت نفسه يجعل من الصعب على أي مسؤول واحد التحكم الكامل في مسار العمليات العسكرية.
أصوات متعددة في السلطة
التباين داخل القيادة الإيرانية ظهر بوضوح عندما عارض رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف تصريحات بزشكيان، مؤكداً أن أي دولة في المنطقة “لن تنعم بالسلام” طالما بقيت القواعد الأميركية قريبة.
هذا التضارب في الرسائل يعكس واقعاً سياسياً معروفاً في إيران، حيث نادراً ما يكون الرئيس صاحب القرار النهائي في القضايا العسكرية، التي غالباً ما تخضع لتوازنات معقدة بين المؤسسات السياسية والعسكرية.
فراغ القيادة
تتفاقم حالة الغموض مع غياب قيادة عليا واضحة بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربات جوية أميركية إسرائيلية قبل أسبوع. وحتى الآن لم يتم الإعلان عن تعيين مرشد جديد، ما يثير تساؤلات حول شكل القيادة المقبلة واحتمال وجود خلافات داخلية.
هذا الغموض في القيادة والسيطرة يضاعف صعوبة فهم اتجاه الصراع الحالي، ويعقّد كذلك أي محاولات دبلوماسية لاحتواء التصعيد.
الخليج يبحث عن الاستقرار
بالنسبة لدول الخليج التي تجد نفسها وسط هذا التصعيد، يصبح الحفاظ على الاستقرار الداخلي أولوية قصوى.
وفي هذا السياق، قام رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بزيارة مستشفى للقاء المصابين في الهجمات الإيرانية، في خطوة اعتُبرت رسالة تضامن واضحة. وخلال الزيارة أكد التزام بلاده بحماية جميع سكانها، قائلاً إن الإمارات “ليست فريسة سهلة”.
صراع يزداد غموضاً
تكشف التطورات الأخيرة أن تعدد مراكز القرار داخل إيران وغياب قيادة واضحة يزيدان من ضبابية المشهد الإقليمي. وبين تصريحات سياسية تدعو إلى التهدئة وتحركات عسكرية مستمرة، يبقى السؤال الأبرز مفتوحاً: من يملك القرار الحقيقي في طهران، وإلى أين يتجه الصراع في المنطقة؟




